سيادة وطن… لا إدارة موارد ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

0 125

سيادة وطن… لا إدارة موارد

✍️ د. الشاذلي عبداللطيف

حين تُمسك الأمم الضعيفة بحدودها، تُمسك الأمم القوية بمعناها.
وحين تُكتب الخرائط بالحبر، تُكتب الأوطان بالدم.
وفي زمنٍ تتقدّم فيه مصالح الأسواق على ذاكرة الشهداء، صار صوت الذهب أعلى من صوت التاريخ، وصار من يملك منفذًا كأنه يملك وطنًا كاملًا.

هذه الحرب — مهما حاول البعض تجميلها — ليست اختلافًا بين مقاعد الحكم، ولا نقاشًا حول شعارات مدنية تُرفع عند كل منعطف.
إنها حرب الأرض والذهب والموانئ.
حرب على الدولة نفسها: هل تُدار ككيانٍ سيادي أم كمنجمٍ يُقسم بين الطامعين؟

ليست حرب جنرالَين…
بل حرب على روح وطن.
حرب على جوهر السؤال الأبدي: من يملك السودان؟ أهله… أم من يحاولون شراء إرادته بالمساعدات والوعود والابتسامات الباردة؟

اليوم يتحدثون عن هدنة، وغدًا يطالبون بتفاوض، وبعد غدٍ قد يقترحون “تسوية عادلة”.
لكن تحت هذه العباءات الناعمة يختبئ سؤال واحد لا غير:
كيف تُدار ثروة البلد؟
ومن يوقّع العقود؟
ومن يتحكم في مفاتيح الموانئ والمناجم والحدود؟

الذين يظنون أن السلام يولد من صورٍ على منصّات المؤتمرات لا يفهمون معنى الدولة.
السلام الذي لا يبدأ بسيادةٍ كاملة ونزع سلاح الغنيمة ليس سلامًا، بل قسطًا أول لتمويل الفوضى المؤجلة.
السلام الحقيقي لا يبدأ من قاعات الفنادق، بل من عقولٍ تعرف أن الدولة لا تقوم على التسويات، بل على الحسم والعدل وسلاحٍ واحدٍ تحت علمٍ واحد.

قد يرتدي بعضهم بدلة أنيقة، وقد يتعلم فنون المصافحة ومهارات الابتسامة أمام الكاميرات، لكن الذئب لا يصبح حارسًا للحظيرة لأنه جلس في ورشة “بناء الثقة”.
ولا تتحول المليشيا إلى مؤسسة مهما اغتسلت لغتها بماء البروتوكول.

فالدولة ليست “مشروعًا استثماريًا” يعرض في دفتر رؤى خارجية.
والسيادة ليست منحة تُعطى مقابل حسن السلوك.
هيبة الوطن لا تُدار بالعقود، بل تُصان بالوعي، بالعزم، وبقدرة الشعب على أن يقول:
لا تُباع أرضي، لا يُقاسم ذهبي، لا يُمزّق جيشي.

نحن لسنا ضد العالم، ولسنا دعاة انعزال.
لكننا نعرف الفرق بين شراكة محترمة تحفظ الإرادة، وبين وصاية مُقنّعة تشتري القرار الوطني تحت لافتة التنمية والدعم والتعاون.

قد يصوغ الخارج الخطط،
ويضع جداول زمنية،
ويعرض “الخبرات والتسهيلات”.

لكن لا أحد يستطيع أن يكتب صكّ وطنٍ ليس له.
ولا أن يمنح الخيانة شرف الوطنية.
ولا أن يجعل من الفوضى دولةً ولو باركتها كل المؤتمرات.

السودان لا يُدار… بل يُصان.
لا يُقسّم… بل يُحرس.
لا يُقايض… بل يُقدّس.

هذا وطنٌ لا يُسلَّم كمفتاحٍ في مكتبٍ أنيق، ولا يُعاد ترتيبه كأثاث سفارة.
هذا وطنٌ حُفرت حدوده في ذاكرة شعبه، لا في خرائط الآخرين.

سيادة وطن… لا إدارة موارد.
وكرامة شعب… لا أرباح صفقات.
ودولةٌ تُبنى بروح أهلها، لا بعقودٍ تُكتب وراء البحار.

هنا السودان…
لا يُباع، لا يُشترى، ولا يُدار إلا بإرادة أبنائه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.