سلامُ البرهان… حين يكون السلام سيفًا لا استسلامًا
✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
من وهجِ البارودِ تخرجُ الحقيقة، ومن بينِ أنقاضِ المدنِ المكلومة ينهضُ السؤالُ الأبدي: أيُّ سلامٍ نريد؟
هل ذاك الذي تُوقّعهُ أيادٍ مرتعشةٌ في دهاليزِ العواصم، أم سلامُ الرجالِ الذين صاغوهُ بدمائهم فوق ترابٍ لم يُدنّس يومًا بالخيانة؟
في لحظات التاريخ الحاسمة، لا تُقاسُ الأممُ بما تمتلكه من سلاحٍ أو ذهب، بل بما تمتلكه من عزيمةٍ تعرف متى تُصافح، ومتى تُشهر السيف.
فالسودان، منذ فجره الأول، لم يكن أرضًا تنتظر من يمنحها السلام، بل أرضًا تُنبتُ السلام حين يُروى بدم الشرفاء.
نعم، نريدُ السلام — لكن ليس سلامَ العُجزِ والخنوع، بل سلامَ الكبرياءِ والكرامة.
نريده سلامًا يشبه ملامح السودان: قاسيًا في الحقّ، صادقًا في المبدأ، نقيًّا كحلم الشهداء حين عبروا إلى الخلود.
سلامٌ لا يُباع في أسواق السياسة، ولا يُقاس بعدد المفاوضات؛ بل يُقاسُ بمدى صموده أمام الريح، وبقدر ما يحفظ من هيبةِ الوطن.
البرهان… لم يأتِ من مكاتبِ الرفاهِ ولا من دهاليزِ السياسة؛ بل من ميدانٍ تشهد عليهِ رائحةُ التراب وعرقُ الجنديّ الساهر.
لم يحمل السلاحَ حبًّا في الحرب، بل لأنّ السلاحَ كان آخرَ ما تبقّى من شرفِ الدولة.
لم يُعلنها معركةً للدم، بل معركةً للهوية… معركةَ بقاءِ الجيش ضدّ الميليشيا، وبقاءِ الوطن ضدّ التبعية.
البرهان لا يُقاتل ليُهزمَ أحد، بل ليبقى الوطنُ واقفًا.
هو يدرك أن السلام بلا عدالةٍ خديعة، وأن العدالة بلا سيادةٍ عبودية.
لذلك كان سيفهُ لغةً من لغات العقل، وقرارهُ امتدادًا لضميرِ أمةٍ ترفض أن تُدار من الخارج.
سلامُ البرهان ليس اتفاقًا سياسيًا، بل موقفٌ من التاريخ.
سلامٌ لا يعرف المساومة، ولا يرضى أن يجلس القاتل بجوار القتيل في مؤتمرٍ يُسمّونه “حوارًا”.
سلامٌ يقول للعالم: إنّ للدم حرمة، وللسودان كرامة، وإنّ الوطن لا يُشترى بالبيانات ولا يُباع في المزادات السياسية.
هذا هو السلام الذي نريده…
سلامٌ يُكتبُ بسواعد الأحرار، لا بأصابع الخائفين.
سلامٌ تُوقّعه الأمهاتُ على نعوش أبنائهن، لا السفراءُ في فنادق الخمس نجوم.
سلامٌ ينهض من الميدان، لا من منصّات النفاق.
سيكتب التاريخ يوماً أن السودان لم يوقّع سلامهُ على الورق، بل في الوجدان.
وأنّ البرهان لم يكن رجلاً يبحث عن نصرٍ شخصي، بل عن وطنٍ يُعيدُ لنفسهِ ملامحهُ الأولى.
وفي الختام:
سلامُ البرهان هو سلامُ الأوطانِ التي تعرفُ أن السيفَ أصدقُ أنباءً من المؤتمرات.
سلامٌ يزرعُ المجدَ في حقولِ الصبر، ويُعيدُ للوطنِ مجدهُ القديم.
سلامٌ لا يُشبهُ الاستسلام، بل يُشبهُ القسم الذي ردّدهُ الجنديّ في صمته:
سأحميكِ يا سودان، وإن سقطَ الجسد، فستبقى الروحُ واقفةً في خندقِكِ إلى الأبد.