0 138

إيلا.. رحيل جسد وبقاء رسالة

✍️ ابن الشرق:
د. الشاذلي عبداللطيف

ملحمة التشييع في بورتسودان

لم يكن رحيل الدكتور محمد طاهر إيلا حدثاً عابراً في ذاكرة بورتسودان ولا في وجدان الشرق. فقد خرج نصف سكان المدينة لتشييعه، بينما غمر الحزن والدموع النصف الآخر. مشهد فريد كشف حجم الشعبية التي حازها الرجل، وأكد أن إيلا لم يكن مجرد والٍ أو مسؤول عادي، بل رمزاً للتنمية والنهضة وأملاً متجدداً لأبناء البحر الأحمر.

لقد جسّد التشييع المهيب استفتاءً صامتاً على محبة الناس لإيلا. لم تكن الجموع تودّع جسداً فحسب، بل تودّع رمزاً شكّل جزءاً من وجدانهم وهويتهم. كان إيلا بالنسبة لهم عنواناً للعمل الجاد والخدمات والتنمية، ولذلك امتزج الحزن بالعزة، والدموع بالفخر.

في خضم هذا المشهد، برزت حكمة القيادة ممثلةً في حكومة الأمل، والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء د. كامل إدريس. لقد كان قرار إرسال طائرة خاصة للمشاركة في ترتيبات التشييع رسالة بليغة بأن الدولة تحترم رموزها وتقدّر مشاعر شعبها.
هذه الخطوة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل حملت معاني عميقة: اعتراف بفضل الراحل، تضامن مع مواطني الشرق، وإشارة إلى عهد جديد من السياسة يقوم على المصالحة والاحترام المتبادل.

أثبت الحدث أن لحظات الحزن يمكن أن تكون جسوراً للوحدة إذا أُحسن التعامل معها. لقد أعاد التشييع التأكيد على أن الشرق كتلة متماسكة وصوت مؤثر في معادلة السودان. واستجابة القيادة بحكمة وسعة صدر تفتح الباب واسعاً أمام بناء وطن أكثر عدلاً وإنصافاً.

ولا يفوتنا أن نشيد بكل قلم خطّ حرفاً في رثاء إيلا، وبكل صوت صدح وفاءً لذكراه. إن الكتابة المخلصة والموقف الشريف كلاهما يسهمان في حفظ الذاكرة الوطنية وصناعة المعنى. لقد كان الحدث مساحة التقت فيها دموع البسطاء مع كلمات النخب، ليشكلا معاً لوحة وطنية خالدة.

الحزن النبيل

وكل رجلٍ أخلص للوطن لا يحتاج إلى تعريف ولا إلى مدح؛ فهو معروف بالضرورة لشعبه. فالتقييم الحقيقي يُكتب بمداد الدموع، ويُقرأ في عيون البسطاء، ويُجسَّد في ذاك الحزن النبيل الذي غمر بورتسودان، وهي تودّع ابنها البار الدكتور محمد طاهر إيلا.

لقد انحنت المدينة كلها إجلالاً، فكان التشييع لوحةً من الوفاء، وكان الحزن شهادةً صادقة على أن الأوطان تحفظ أبناءها في وجدانها قبل أن تحفظهم في تاريخها. وفي ثغر السودان، تكلّمت الجموع بدموعها، وقالت كلمتها بصدقٍ لا يعرف الزيف:
“هنا رحل إيلا، وهنا باقٍ في قلوبنا ما بقينا.”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.